
بين الإجراء الباطل والحقيقة الضائعة، تقف محكمة الجنايات حارساً للشرعية الإجرائية. في قضايا المخدرات أو المؤثرات العقلية ، قد تبدو أدلة الثبوت في ظاهرها متماسكة، لكن تفكيكها من المنظور القانوني الدقيق يكشف في كثير من الأحيان عن عوار إجرائي يهدم القضية من أساسها. في هذا المقال، يسعدني أن أشارككم تحليلاً قانونياً لواحدة من القضايا الجنائية التي تشرفت بإعداد الدفاع فيها أمام درجتي التقاضي بـ #دولة_الكويت، والتي واجه فيها المتهم تهمة “حيازة مواد مؤثرة عقلياً بقصد التعاطي” وقد انتهت القضية بحكم باءة من محكمة أول درجة هو ” عنوان الحقيقة ” ، وقد تأيد هذا الحكم استئنافيا
أولاً : المقدمة – وقائع القضية :
قبل أن نبدأ تحليل وتفنيد أدلة الثبوت ، يهمنا – بادئ ذى بدء – عرض ملخص للواقعة ، والتى تتلخص فيما يلي :
يخلص وجيز الواقعة وحسبما شهد به ضابط الواقعة أنه وبتاريخ الواقعة وحال تجواله الأمني بسيارة الدورية بمنطقة الشعب البحري شارع الكندي أبصر السيارة رقم ……… متوقفة بالطريق العام مما يعيق حركة السير وقد تلاحظ له نزول المتهمين الثلاثة حيث كانوا في حالة غير طبيعية وبتفتيش المتهم الأول عثر بجيب دشداشته الأيمن على ثلاثه أكياس من النايلون الشفاف بداخل كل منهم مادة يشتبه فيها كما عثر بجيب بنطال المتهم الثالث الأيمن على ثلاثة أقراص يشتبه فيها وأضاف ضابط الواقعة أن قصد المتهمين من ذلك هو التعاطي .
المسائل القانونية التى تثيرها هذه القضية
تثير هذه القضية مسألتان يدق التفرقة بينهما وتبطل بهما الكثير من القضايا الجنائية ، ويتعين من السادة الزملاء الإنتباه إليهما ، وهاتان المسألتان هما : [ الإستيقاف ، والتلبس ] نوضح هذه التفرقة بينهما تطبيقا من خلال وقائع القضية على النحو التالي :
المحور الأول (الثغرة القانونية) : الفرق بين “الاستيقاف” (حق الضابط في السؤال) و”القبض” (الذي يحتاج إذن أو تلبس)، وكيف أن انتفاء المبررات يبطل كل ما تلاه .
تنص المادة ( 52 ) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي على أن :
” لكل شرطي أن يستوقف أي شخص ويطلب منه بيانات عن اسمه وشخصيته إذا كان ذلك لازما للتحريات التي يقوم بها . وللشرطي أن يطلب من الشخص أن يصحبه إلى مركز الشرطة إذا رفض تقديم البيانات المطلوبة عن شخصيته أو إذا قدم بيانات غير صحيحة ، أو إذا كانت هناك قرائن جدية تدل على أنه ارتكب جناية أو جنحة “
وقد تواتر أحكام محكمة التمييز على أنه :
” من المقرر أن الاستيقاف هو إجراء يقوم به رجل الشرطة في سبيل التحري عن الجرائم وكشف مرتكبيها ويسوغه اشتباه تبرره الظروف ، وهو أمر مباح لرجل الشرطة متى وضع نفسه طواعية منه واختياراً في موضع الريبة والظن على نحو ينبئ عن ضرورة تستلزم تدخل المستوقف للتحري عنه والكشف عن حقيقته “
( الطعن رقم 198/97 جزائي جلسة 9/3/1998 )
النص في المادة (52) من قانون الاجراءات والمحاكمات الجزائية على أن ” لكل شرطي أن يستوقف أي شخص ويطلب منه بيانات عن اسمه وشخصيته اذا كان ذلك لازما للتحريات التي يقوم بها وللشرطي أن يطلب من الشخص ان يصحبه إلى مركز الشرطة ……، …… أو إذا كانت هناك قرائن جدية تدل على أنه أرتكب جناية أو جنحة ” وفي المدة ( 44 ) على أنه : ” عند قيام أحد رجال الشرطة بالتحري إذا وجد هناك ضرورة لإجراء تفتيش شخص أو مسكن معين يجب عليه أن يعرض التحريات على المحقق ، وعلى المحقق إذا تأكد أن الضرورة تقتضي الأذن بالتفتيش أن يأذن له كتابة في إجرائه ” يدل على أن ليس لرجل الشرطة عند حصول مبرر الاستيقاف أن يقوم بالقبض أو بتفيش شخص من تم استيقافه ولو قامت قرائن جدية على ارتكاب جناية أو جنحة وإنما كل مايبيحه له القانون في هذه الحالة هو أن يصطحب هذا الشخص إلى مركز الشرطة وأن رأي ضرورة لتفتيشه فعليه أن يستأذن المحقق في إجراء التفتيش ، كما أن النص في المادة 43 من القانون المشار إليه على أن : ” لرجل الشرطة إذا شهد ارتكاب جناية أو جنحة و حضر إلى محل الحادث والجريمة ما تزال مشهودة أن يوقم بتفتيش المتهم أو مسكنه ” يدل على أن ما يبيحه لرجل الشرطة من تفتيش الاشخاص بغير اذن من المحقق قاصر على حالات التلبس بالجريمة “
( الطعن رقم 136/2000 جزائي جلسة 3/10/2000 )
وعلى ضوء النصوص القانونية والمبادئ القضائية آنفة البيان وبإنزالها على واقعة الدعوى نجد أن الإجراءات التي تمت ضد المتهم الثاني من استيقاف وقبض وتفتيش قد تمت على خلاف أحكام القانون ، ذلك أنه على سبيل الفرض الجدلي بأن المركبة التي كان يستقلها المتهمون الثلاثة كانت متوقفة بالطريق العام مسببة عرقلة حركة السير بالشارع ، فإن قائد المركبة – في هذه الحالة المزعومة – يعد مخالفاً لقانون المرور ، مما يباح معه لضابط الواقعة القيام بتحرير مخالفة مرورية لقائد المركبة ، دون أن تستطيل الإجراءات مرافقي قائد المركبة ، وإلا عد ذلك مساساً بحريتهم الشخصية .
ولما كان ذلك ، وكان الثابت من الأوراق ، قيام ضابط الواقعة بتحرير مخالفة لقائد المركبة لتعمده عرقلة السير بالشارع ، فضلاً عن اطلاعه على الأوراق الثبوتية للمتهم الثاني ، إلا أن ضابط الواقعة لم يكتفي بذلك ، بل ضرب بقانون الإجراءات الجزائية عرض الحائط ، إذ عصف بالحرية الشخصية للمتهم الثاني حيث قام بالقبض عليه وتفتيشه في غير الحالات التي أباحها له القانون ، الأمر الذي تكون معه إجراءات القبض والتفيش الواقعين على المتهم الثاني قد تمت باطلة ويبطل بالتالي الدليل المستمد منها ، لأن مابنى على باطل فهو باطل .
(وثبت ذلك من مطالعة الحرز المرسل من المباحث حيث من بين الاحراز مخالفة مرورية بأسم المتهم الأول و البطاقة المدنية للمتهم الثاني )
المحور الثاني : بطلان القبض والتفتيش الواقعين على المتهم الثاني لانتفاء حالة التلبس :
استقرت أحكام محكمة التمييز على أن:
” لرجال الشرطة طبقا للمادة 54 من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية القبض بدون إذن على كل من أتهم في جناية وقامت على إتهامه أدلة قوية ، كما يجوز لهم عملا بحكم المادة 43 من ذات القانون في حالة التلبس بالجريمة جناية كانت أو جنحة تفتيش المتهم ومسكنه ، وكان من المقرر أنه يكفي لقيام حالة التلبس أن تكون هناك مظاهر خارجية تنبئ بذاتها عن وقوع الجريمة ، ولا يشترط في التلبس بإحراز المخدر أن يكون من شهد هذه المظاهر قد تبين ماهية المادة التي شاهدها ، بل يكفي في ذلك تحقق تلك المظاهر بأي حاسة من الحواس ، يستوي في ذلك أن تكون حاسة الشم أو حاسة النظر متى كان هذا التحقق بطريقة يقينية لا تحتمل شكا ، يستوي في ذلك أن يكون المخدر ظاهرا أو غير ظاهر ، وكان القول بتوافر حالة التلبس وعدم توافرها هو من المسائل الموضوعية التي تستقل بها محكمة الموضوع بغير معقب عليها ، مادامت قد أقامت قضاءها على أسباب سائغة “
( الطعن رقم 22/2000 جزائي جلسة 31/10/2000 )
” مؤدي ما تنص عليه المادة 43 والمواد من 53 إلى 57 من قانون الاجراءات والمحاكمات الجزائية أن أي قيد على الحرية الشخصية بوصفها حاق طبيعياً من حقوق الإنسان يستوي في ذلك أن يكون القيد قبضا أو تفتيشا لا يجوز إلا في حالات التلبس باعتبارها جرائم مشهودة أو بأذن من النيابة العامة أو في أحدى الحالات التي وردت في القانون على سبيل الحصر والتي ليس من بينها مجرد مشاهدة المتهم في حالة غير طبيعية على نحو ما جاء باقوال الشرطيين بالنسبة للمتهم وحدت بهما إلى القبض عليه وتفتيشه وتفتيش سيارته إذ أن مجرد وجود المتهم داخل السيارة بالحالة المار بيانها ليس من شأنه توافر المظاهر الخارجية التي تنبئ بذاتها عن وقوع جريمة احراز المخدر وتتوافر به حالة التلبس التي تبيح لرجل الشرطة القبض والتفتيش بغير إذن مكتوب من النيابة العامة العامة فضلا عن عدم توافر أدلة قوية على الإتهام بجناية ، ومن ثم فإن ما قام به رجال الشرطة يكون قد تم في غير الحالات التي يصرح بها القانون ، ومن شأن ذلك بطلان إجرائي القبض والتفيش اللذين تما على هذا النحو ، ولما كانت القاعدة في القانون أن ما بنى على باطل فهو باطل ، فإن هذا البطلان يستطيل إلى الدليل المستمد منه هذا الإجراء والمتمثل في اقوال رجلي الشرطة فلا يعتد بشهادتهما عما أجرياه من اجراءات باطلة وما أسفرت عنه تلك الإجراءات من ضبط المخدر وكذا استبعاد الدليل المستند إلى تحليل العينة المأخوذة من بول المتهم لأنه متفرع عن القبض الذي وقع باطلا ولم يكن ليوجد لولا أجراء لقبض الباطل ”
( الطعن رقم 348/99 جزائي جلسة 17/10/2000)
كما قضت محكمة التمييز في الشأن بأنه :
” مجرد ركوب المتهم الأول مع المستأنف في سيارة هذا الأخير وانتظاره له وكذا مجرد مشاهدة المستأنف في حالة عدم اتزان أو التلعثم في الحديث أو أحمرار العينين أو في حالة غير طبيعية كل ذلك لا يجيز للضابط القبض عليه أو تفتيشه بدون أمر سواء عملاً باحكام المادة ( 54 ) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية أو أحدى الحالات التي وردت في القانون على سبيل الحصر في المواد الأخرى من (52 إلى 57 ) من ذات القانون هذا إلى أنه ولئن كانت هذه الأمور والحالة التي شوهد عليها المستأنف تبيح للضابط استيقافه وتحري حقيقة أمره إلا أن ذلك مشروط بالا تتضمن إجراءاته تعرض ماديا للمتحري عنه ينطوي على مساس بحريته الشخصية فذلك يعد قبضا لا يبيحه له القانون ومن ثم فإن قيام ضابط الواقعة بالقبض على المستأنف وتفتيشه على نحو ما سلف بيانه يكونا قد وقعا باطلين ويبطل بالتالي الدليل المستمد منهم الآن ما بنى على باطل فهو باطل – ومن ثم يتعين استبعاد الدليل المستمد من شهادة ضابط الواقعة الذي أجرى القبض الباطل وكذا عدم الإعتداد بالدليل المستمد من تقرير الأدلة الجنائية بفحص المضبوطات المنسوبة المستأنف وتحليل عينة بوله إذ أن أرسال وكيل النيابة هذه المضبوطات للفحص والأخذ عينة بول من المستأنف للتحليل – بعد أن أنكر بالتحقيقات ما نسب إليه .
كما أنه من المقرر أنه لا يجوز القبض على الشخص وتفتيشه أو تفيش متعلقاته الشخصية التي تستمد حرمته بغير إذن من السلطة المختصة بالتحقيق – عند توافر مبرراته – إلا في الجرائم المشهودة والحالات الأخرى التي أوردتها المادة 43 والمواد من 53 إلى 57 من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية على سبيل الحصر وكانت الجريمة المشهودة تستوجب أن يتحقق بجل الشرطة من قيام الجريمة وذلك أما بمشاهدتها بنفسه أو بمشاهدة أثر من آثارها أو نتيجة من نتائجها بما يقطع بوقعها وكانت صورة الواقعة التي تناولها الحكم في الرد على الدفع لا تشكل جريمة مشودة في حق الطاعن ، ذلك أن مجرد قيادة الطاعن للسيارة بحالة متعرجة وان كان يجيز لرجل الشرطة استيقافه لتحري حقيقة أمره ، إلا أن ما تكشف له بعد ذلك من أنه كان في حالة غير طبيعية وعيناه محمرتان وثقيل النطق ويتكلم بطريقة هزرية ، لا يوفر الدلائل التي تقطع بذاتها بارتكاب جريمة معينة ، وبالتالي فلا تقوم به حالة التلبس التي تسوغ القبض عليه وتفتيشه بغير إذن من سلطة التحقيق فإن ما قام به رجلا الشرطة من قبض على الطاعن وتفتيشه يكون إجراء غير مشروع ويقع باطلا ، ويبطل بالتالي الدليل المستمد منه ، لأن ما بنى على باطل فهو باطل “
( طعن تمييز رقم 200/2004 جزائي جلسة 19/5/2005 )
“بين الاستيقاف والقبض الباطل.. كيف تظهر الحقيقة في قاعات المحاكم
وكيف نجح الدفاع في تفكيك رواية ضابط الواقعة أمام المحكمة “
وحتى تعم الفائدة نضع بين أيديكم مذكرة بأوجه الدفاع والدفوع السابق إثارتها أمام محكمة أول درجة والتى قضي على أساسها بالبراءة ، وتمسكنا بذات الدفوع والدفاع أمام محكمة الاستئناف ، علاوة عن أسباب حكم البراءة التى قضت بها محكمة أول درجة ، وذلك فيما يلي :
الوقائع
يخلص وجيز الوقائع وحسبما يستبين من الأوراق ، في أن النيابة العامة قد أسندت الإتهام إلى كل من :
- ………… .
- …………….. .
- ………………… .
بأنهم في يوم 00/00 /2013 بدائرة مخفر شرطة المباحث الجنائية محافظة العاصمة:
- المتهم الأول :
- أحرز مادتين مخدرتين (هيروين ومورفين) وكان ذلك بقصد التعاطي دون أن يثبت أنه قد رخص له بذلك قانوناً .
- أحرز مادتين مؤثرتين عقلياً (أمفيتامين – ميثا أمفيتامين) وكان ذلك بقصد التعاطي دون أن يثبت أنه قد رخص له بذلك قانوناً .
- تعمد إعاقة حركة المرور في الطرقات العامة .
- قاد مركبة وهو تحت تأثير مادة المورفين المخدرة ومادة الامفيتامين المؤثرة عقلياً.
- المتهم الثاني:
- أحرز مادة مخدرة (حشيش) وكان ذلك بقصد التعاطي دون أن يثبت أنه قد رخص له بذلك قانوناً .
- أحرز مادة مؤثرة عقلياً (أمفيتامين) وكان ذلك بقصد التعاطي دون أن يثبت أنه قد رخص له بذلك قانوناً .
- المتهم الثالث :
- أحرز مادة مخدرة (مورفين) وكان ذلك بقصد التعاطي دون أن يثبت أنه قد رخص له بذلك قانوناً .
- أحرز مواد مؤثرة عقلياً (أمفيتامين – كلونازيبام – دايازيبام – أوكسازيبام) وكان ذلك بقصد التعاطي دون أن يثبت أنه قد رخص له به بذلك قانوناً.
وقد طلبت النيابة العامة عقابهم وفق مواد الإتهام واستندت في ذلك إلى أدلة الثبوت الآتية :
الشاهد / …………………. :
شهد أنه وبتاريخ الواقعة وحال تجواله الأمني بسيارة الدورية بمنطقة الشعب البحري شارع الكندي أبصر السيارة رقم ………. متوقفة بالطريق العام مما يعيق حركة السير وقد تلاحظ له نزول المتهمين الثلاثة حيث كانوا في حالة غير طبيعية وبتفتيش المتهم الأول عثر بجيب دشداشته الأيمن على ثلاثه أكياس من النايلون الشفاف بداخل كل منهم مادة يشتبه فيها كما عثر بجيب بنطال المتهم الثالث الأيمن على ثلاثة أقراص يشتبه فيها وأضاف ضابط الواقعة أن قصد المتهمين من ذلك هو التعاطي .
- أحيل المتهمون إلى المحاكمة، حيث حضر المتهم الثاني ولم يحضر المتهمان الأول والثالث ، وبعد أن تداول نظر الدعوى على النحو الثابت بمحاضرها، وبجلسة 00 /00 /2014 :
“حكمت المحكمة غيابياً للأول والثالث وحضورياً للثاني:
ببراءة المتهمين مما أسند إليهم وأمرت بمصادرة المضبوطات”
لم ترتض النيابة العامة هذا القضاء، فطعنت فيه بالإستئناف الماثل للثبوت.
الدفاع

بادئ ذي بدء ، فإن البادي من المقرر ان الحقائق القانونية في المواد الجزائية لا يصح أخذها بالظنون والفروض بل يجب أن تكون قائمة على يقين فعلي ، فإنه نزولاً لهذا المعنى لا تستقيم في مقام تكوين المعتقد بالإدانة أن تنساق المحكمة وراء أدلة تحتمل الظن لتقيم قضاءها عليها طالما تخلو الأوراق من دليل يعضدها .
كما أن القاعدة المستقر عليها في الفقه والقضاء أن الدليل إذا تطرق إليه الإحتمال فسد به الاستدلال ، وهو ما يعبر عنه أيضاً بوجوب تفسير الشك لصالح المتهم ، أخذاً بالقاعدة المستقرة في الإثبات والتي لا مجادلة فيها أن ” الأصل في الإنسان البراءة ما لم تقدم سلطة الإتهام الدليل الصحيح الذي تطمئن له المحكمة ويقر في عقيدتها ويرتاح إليه وجدانها “
ولما كان ذلك ، وكان البادي من مطالعة عيون الأوراق أنها تنبئ بأن الإتهام المسند للمتهم ، قد جاء مثقل الخطوات مختنق الأنفاس والنبرات وقد غلب عليه الوهن وغاب عنه الثبات وواكبه الظن والحدس ، مما ينأى به عن داعي اطمئنان الهيئة الموقرة بصحة الإتهام أو بسلامة دليله.
ولما كان ذلك، وكان البادى من مطالعة أسباب الحكم المستأنف أن محكمة أول درجة بعد أن محصت أوراق الدعوى عن بصر وبصيرة ووازنت بين أدلة النفي وأدلة الثبوت، وبعد أن رجحت دفاع المستأنف ضده (المتهم الثاني) قضت ببراءته مما أسند إليه، محمولاً قضائها في ذلك على أسباب سائغة لها معين ثابت بالأوراق، فيما أثبتته بمدونات حكمها من أنه “………. وبجلسة 00 /00 /2014 حضر المتهم الثاني ووكيله قرر …. وترافع شفاهة شارحاً ظروف الدعوى ورفع ببطلان إجراءات القبض والتفتيش …. .
“وحيث أنه عن الدفع ببطلان إجراءات القبض والتفتيش لانتفاء حالة التلبس فهو في محله إذ أن المقرر بالمادة 43 والمواد من 53 إلى 57 من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة أن أي قيد على الحرية الشخصية بوصفها حق طبيعياً من حقوق الإنسان يستوي في ذلك أن يكون القيد قبضاً أو تفتيشاً لا يجوز الأمر إلا في حالات التلبس باعتبارها جرائم مشهودة أو بإذن من النيابة العامة أو أحد الحالات التي وردت في القانون على سبيل الحصر والتي ليس من بينها مجرد مشاهدة المتهم في حالة عدم إتزان أو في حالة غير طبيعية على نحو ما جاء بأقوال ضابط الواقعة بالنسبة للطاعن وحذت به إلى تفتيشه وتفتيش سيارته ومن ثم يكون هذا الإجراء قد وقع باطلاً ولما كانت القاعدة في القانون أن ما بني على باطل فهو باطل فإن هذا البطلان يستطيل إلى الدليل المستمد منه هذا الإجراء المتمثل في أقوال ضابط الواقعة فلا يعتد بشهادته عما أجراه من إجراءات باطلة”
(الطعن رقم 251/99 مدني جلسة 29/2/2000)
وهدياً على ذلك، وكان ما شهد به ضابط الواقعة من أنه لدى مشاهدته مركبة المتهمين ونزولهم منها تلاحظ له أنهم بحالة غير طبيعية وقد بدت عليهم علامات الارتباك والخوف فإن تلك الحالة التي بدء فيها المتهمين لا تبيح له القبض عليهم وتفتيشهم دون اللجوء إلى النيابة العامة واستصدار إذناً منها بذلك ومن ثم يكون القبض على المتهمين وتفتيشهم قد وقع باطلاً لعدم وجود المتهمين في حالة من الحالات التي تجيزه ويبطل بالتالي الدليل المستمد منها والمتمثل في أقوال ضابط الواقعة وما أسفر عنه تفتيش المتهمين وما ثبت بتقارير الأدلة الجنائية إعمالاً للقاعدة القانونية التي تقرر أن ما بني على باطل فهو باطل وأنه وبإنكار المتهمين للتهم المسندة إليهم بعد استبعاد شهادة ضابط الواقعة تكون الأوراق قد خلت من ثمة دليل صحيح لإدانة المتهمين وتنتهي معه المحكمة إلى قبول الدفع والقضاء ببراءة المتهمين مما أسند إليهم عملاً بالمادة 172/1 من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية”.
ولما كانت هذه الأسباب التي ارتكز عليها حكم أول درجة تكفى لحمل قضائه فيما قضى به من براءة المستأنف ضده الماثل (المتهم الثاني) وقد صادفت صحيح القانون متفقة مع حقيقة الواقع، جديراً بتأييده.
ونضيف دعما وتأييدا للأسباب سالفة البيان ما يرد من أسباب تالية :
أولاً : بطلان القبض والتفتيش الواقعين على المتهم الثاني لعدم توافر مبررات أستيقافه :
ولما كنت المادة ( 52 ) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية تنص على أن:
” لكل شرطي أن يستوقف أي شخص ويطلب منه بيانات عن اسمه وشخصيته إذا كان ذلك لازما للتحريات التي يقوم بها . وللشرطي أن يطلب من الشخص أن يصحبه إلى مركز الشرطة إذا رفض تقديم البيانات المطلوبة عن شخصيته أو إذا قدم بيانات غير صحيحة ، أو إذا كانت هناك قرائن جدية تدل على أنه ارتكب جناية أو جنحة “
وقد تواتر قضاء التمييز على أنه :
” من المقرر أن الاستيقاف هو إجراء يقوم به رجل الشرطة في سبيل التحري عن الجرائم وكشف مرتكبيها ويسوغه اشتباه تبرره الظروف ، وهو أمر مباح لرجل الشرطة متى وضع نفسه طواعية منه واختياراً في موضع الريبة والظن على نحو ينبئ عن ضرورة تستلزم تدخل المستوقف للتحري عنه والكشف عن حقيقته “
( الطعن رقم 198/97 جزائي جلسة 9/3/1998 )
النص في المادة (52) من قانون الاجراءات والمحاكمات الجزائية على أن ” لكل شرطي أن يستوقف أي شخص ويطلب منه بيانات عن اسمه وشخصيته اذا كان ذلك لازما للتحريات التي يقوم بها وللشرطي أن يطلب من الشخص ان يصحبه إلى مركز الشرطة ……، …… أو إذا كانت هناك قرائن جدية تدل على أنه أرتكب جناية أو جنحة ” وفي المدة ( 44 ) على أنه : ” عند قيام أحد رجال الشرطة بالتحري إذا وجد هناك ضرورة لإجراء تفتيش خشص أو مسكن معين يجب عليه أن يعرض التحريات على المحقق ، وعلى المحقق إذا تأكد أن الضرورة تقتضي الأذن بالتفتيش أن يأذن له كتابة في إجرائه ” يدل على أن ليس لرجل الشرطة عند حصول مبرر الاستيقاف أن يقوم بالقبض أو بتفيش شخص من تم استيقافه ولو قامت قرائن جدية على ارتكاب جناية أو جنحة وإنما كل مايبيحه له القانون في هذه الحالة هو أن يصطحب هذا الشخص إلى مركز الشرطة وأن رأي ضرورة لتفتيشه فعليه أن يستأذن المحقق في إجراء التفتيش ، كما أن النص في المادة 43 من القانون المشار إليه على أن : ” لرجل الشرطة إذا شهد ارتكاب جناية أو جنحة و حضر إلى محل الحادث والجريمة ما تزال مشهودة أن يوقم بتفتيش المتهم أو مسكنه ” يدل على أن ما يبيحه لرجل الشرطة من تفتيش الاشخاص بغير اذن من المحقق قاصر على حالات التلبس بالجريمة “
( الطعن رقم 136/2000 جزائي جلسة 3/10/2000 )
وعلى ضوء النصوص القانونية والمبادئ القضائية آنفة البيان وبإنزالها على واقعة الدعوى نجد أن الإجراءات التي تمت ضد المتهم الثاني من استيقاف وقبض وتفتيش قد تم على خلاف أحكام القانون ، ذلك أنه على سبيل الفرض الجدلي بأن المركبة التي كان يستقلها المتهمون الثلاثة كانت متوقفة بالطريق العام مسببة عرقلة حركة السير بالشارع ، فإن قائد المركبة – في هذه الحالة المزعومة – يعد مخالفاً لقانون المرور ، مما يباح معه لضابط الواقعة القيام بتحرير مخالفة مرورية لقائد المركبة ، دون أن تستطيل الإجراءات مرافقي قائد المركبة ، وإلا عد ذلك مساساً بحريتهم الشخصية .
ولما كان ذلك ، وكان الثابت من الأوراق ، قيام ضابط الواقعة بتحرير مخالفة لقائد المركبة لتعمده عرقلة السير بالشارع ، فضلاً عن اطلاعه على الأوراق الثبوتية للمتهم الثاني ، إلا أن ضابط الواقعة لم يكتفي بذلك ، بل ضرب بقانون الإجراءات الجزائية عرض الحائط ، إذ عصف بالحرية الشخصية للمتهم الثاني حيث قام بالقبض عليه وتفتيشه في غير الحالات التي أباحها له القانون ، الأمر الذي تكون معه إجراءات القبض والتفيش الواقعين على المتهم الثاني قد تمت باطلة ويبطل بالتالي الدليل المستمد منها ، لأن مابنى على باطل فهو باطل .
( لطفا يرجى مطالعة الحرز المرسل من المباحث حيث من بين الاحراز مخالفة مرورية بأسم المتهم الأول و البطاقة المدنية للمتهم الثاني )
ثانياً : بطلان القبض والتفتيش الواقعين على المتهم الثاني لانتفاء حالة التلبس:
استقرت أحكام محكمة التمييز على أن:
” لرجال الشرطة طبقا للمادة 54 من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية القبض بدون إذن على كل من أتهم في جناية وقامت على إتهامه أدلة قوية ، كما يجوز لهم عملا بحكم المادة 43 من ذات القانون في حالة التلبس بالجريمة جناية كانت أو جنحة تفتيش المتهم ومسكنه ، وكان من المقرر أنه يكفي لقيام حالة التلبس أن تكون هناك مظاهر خارجية تنبئ بذاتها عن وقوع الجريمة ، ولا يشترط في التلبس بإحراز المخدر أن يكون من شهد هذه المظاهر قد تبين ماهية المادة التي شاهدها ، بل يكفي في ذلك تحقق تلك المظاهر بأي حاسة من الحواس ، يستوي في ذلك أن تكون حاسة الشم أو حاسة النظر متى كان هذا التحقق بطريقة يقينية لا تحتمل شكا ، يستوي في ذلك أن يكون المخدر ظاهرا أو غير ظاهر ، وكان القول بتوافر حالة التلبس وعدم توافرها هو من المسائل الموضوعية التي تستقل بها محكمة الموضوع بغير معقب عليها ، مادامت قد أقامت قضاءها على أسباب سائغة “
( الطعن رقم 22/2000 جزائي جلسة 31/10/2000 )
” مؤدي ما تنص عليه المادة 43 والمواد من 53 إلى 57 من قانون الاجراءات والمحاكمات الجزائية أن أي قيد على الحرية الشخصية بوصفها حاق طبيعياً من حقوق الإنسان يستوي في ذلك أن يكون القيد قبضا أو تفتيشا لا يجوز إلا في حالات التلبس باعتبارها جرائم مشهودة أو بأذن من النيابة العامة أو في أحدى الحالات التي وردت في القانون على سبيل الحصر والتي ليس من بينها مجرد مشاهدة المتهم في حالة غير طبيعية على نحو ما جاء باقوال الشرطيين بالنسبة للمتهم وحدت بهما إلى القبض عليه وتفتيشه وتفتيش سيارته إذ أن مجرد وجود المتهم داخل السيارة بالحالة المار بيانها ليس من شأنه توافر المظاهر الخارجية التي تنبئ بذاتها عن وقوع جريمة احراز المخدر وتتوافر به حالة التلبس التي تبيح لرجل الشرطة القبض والتفتيش بغير إذن مكتوب من النيابة العامة العامة فضلا عن عدم توافر أدلة قوية على الإتهام بجناية ، ومن ثم فإن ما قام به رجال الشرطة يكون قد تم في غير الحالات التي يصرح بها القانون ، ومن شأن ذلك بطلان إجرائي القبض والتفيش اللذين تما على هذا النحو ، ولما كانت القاعدة في القانون أن ما بنى على باطل فهو باطل ، فإن هذا البطلان يستطيل إلى الدليل المستمد منه هذا الإجراء والمتمثل في اقوال رجلي الشرطة فلا يعتد بشهادتهما عما أجرياه من اجراءات باطلة وما أسفرت عنه تلك الإجراءات من ضبط المخدر وكذا استبعاد الدليل المستند إلى تحليل العينة المأخوذة من بول المتهم لأنه متفرع عن القبض الذي وقع باطلا ولم يكن ليوجد لولا أجراء لقبض الباطل ”
( الطعن رقم 348/99 جزائي جلسة 17/10/2000)
كما قضت محكمة التمييز في الشأن بأنه :
” مجرد ركوب المتهم الأول مع المستأنف في سيارة هذا الأخير وانتظاره له وكذا مجرد مشاهدة المستأنف في حالة عدم اتزان أو التلعثم في الحديث أو أحمرار العينين أو في حالة غير طبيعية كل ذلك لا يجيز للضابط القبض عليه أو تفتيشه بدون أمر سواء عملاً باحكام المادة ( 54 ) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية أو أحدى الحالات التي وردت في القانون على سبيل الحصر في المواد الأخرى من (52 إلى 57 ) من ذات القانون هذا إلى أنه ولئن كانت هذه الأمور والحالة التي شوهد عليها المستأنف تبيح للضابط استيقافه وتحري حقيقة أمره إلا أن ذلك مشروط بالا تتضمن إجراءاته تعرض ماديا للمتحري عنه ينطوي على مساس بحريته الشخصية فذلك يعد قبضا لا يبيحه له القانون ومن ثم فإن قيام ضابط الواقعة بالقبض على المستأنف وتفتيشه على نحو ما سلف بيانه يكونا قد وقعا باطلين ويبطل بالتالي الدليل المستمد منهم الآن ما بنى على باطل فهو باطل – ومن ثم يتعين استبعاد الدليل المستمد من شهادة ضابط الواقعة الذي أجرى القبض الباطل وكذا عدم الإعتداد بالدليل المستمد من تقرير الأدلة الجنائية بفحص المضبوطات المنسوبة المستأنف وتحليل عينة بوله إذ أن أرسال وكيل النيابة هذه المضبوطات للفحص والأخذ عينة بول من المستأنف للتحليل – بعد أن أنكر بالتحقيقات ما نسب إليه .
كما أنه من المقرر أنه لا يجوز القبض على الشخص وتفتيشه أو تفيش متعلقاته الشخصية التي تستمد حرمته بغير إذن من السلطة المختصة بالتحقيق – عند توافر مبرراته – إلا في الجرائم المشهودة والحالات الأخرى التي أوردتها المادة 43 والمواد من 53 إلى 57 من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية على سبيل الحصر وكانت الجريمة المشهودة تستوجب أن يتحقق بجل الشرطة من قيام الجريمة وذلك أما بمشاهدتها بنفسه أو بمشاهدة أثر من آثارها أو نتيجة من نتائجها بما يقطع بوقعها وكانت صورة الواقعة التي تناولها الحكم في الرد على الدفع لا تشكل جريمة مشودة في حق الطاعن ، ذلك أن مجرد قيادة الطاعن للسيارة بحالة متعرجة وان كان يجيز لرجل الشرطة استيقافه لتحري حقيقة أمره ، إلا أن ما تكشف له بعد ذلك من أنه كان في حالة غير طبيعية وعيناه محمرتان وثقيل النطق ويتكلم بطريقة هزرية ، لا يوفر الدلائل التي تقطع بذاتها بارتكاب جريمة معينة ، وبالتالي فلا تقوم به حالة التلبس التي تسوغ القبض عليه وتفتيشه بغير إذن من سلطة التحقيق فإن ما قام به رجلا الشرطة من قبض على الطاعن وتفتيشه يكون إجراء غير مشروع ويقع باطلا ، ويبطل بالتالي الدليل المستمد منه ، لأن ما بنى على باطل فهو باطل “
( طعن تمييز رقم 200/2004 جزائي جلسة 19/5/2005 )
وبإنزال هذه القواعد على واقع الدعوى ، نجد أن شاهد الإثبات – الوحيد – قد حاول خلق حالة تلبس – لاتصادف واقعاً – لإضفاء الشرعية على ما تم من إجراءات باطلة ، إلا أنه لم يستطع نسج واقعة التلبس بإحكام ، ذلك أنه بمطالعة محضر إثبات حالة وتحويل المؤرخ 24/7/2013 نجد أن محرره قد أثبت ما يلي:
” …. وذلك أثناء تجوالنا بمنطقة الشعب البحري شارع الكندي تم الاشتباه بالمركبة المذكورة أعلاه حيث أنها متوقفة بالطريق العام … وعند استيقافه للتأكد من الإثباتات الرسمية … وكذلك المدعو / أحمد حيث أن المدعو / أحمد لم يتوجه إلى الدورية بل توجه خارج المركبة إلى جهة أخرى نحو المباني بالقرب منا ، وكذلك تم استيقافه حيث كانوا بحالة اشتباه غير طبيعية ومبين عليهم آثار الخوف ، وكذلك كان المدعو / أحمد يرمي ورقة تبين بأنه ورق رشيد كان بحيازته أمام الدورية وعليه تم تفتيش قائد المركبة ….”
وبإمعان النظر بالدلائل والأمارات التي ساقها محرر المحضر لاترشح وجود مبررات لاستيقاف المتهم الثاني ، ولا تشكل جريمة مشهودة متلبس بها ، ومردود عليها بالآتي :
- الأمارة الأولى : توقف المركبة بمنطقة الشعب البحري :
البادي من أقوال المتهم الثاني نجده ساق تبريراً لتوقف مركبة المتهم الأول بشارع الكندي – بمنطقة الشعب البحري وذلك فيما يوريه حين سئل بالتحقيقات (ص 6):
س – وما مناسبة تواجدك في المكان والزمان سالفي الذكر ؟
ج- أنا كنت عند بيتنا .
ويبين من ذلك أن المتهم الثاني قد سوغ توقف مركبة المتهم بمكان الضبط تسويغاً يتفق وواقع الحال ، ذلك أن المركبة قد توقفت أمام بيت المتهم الثاني والذي كان يهم بالنزول منها ، وقد خلت الأوراق مما يثبت عكس ذلك، الأمر الذي تكون معه الإمارة الأولى لا تبرر استيقاف المتهمين، ولا تقوم بها حالة تلبس .
- الأمارة الثانية : نزول المتهم الثاني من المركبة وتوجهه إلى منزله :
بمطالعة اقوال المتهم الثاني نجده أورى تصويراً لواقعة نزوله من المركبة وأبان سبب ذلك ، حين سئل بالتحقيقات (ص6) :
س- ما ظروف ضبطك وإحضارك ؟
ج – اللي حصل أنه كنت نازل من السيارة عند بيتنا وأبي أدخل البيت وجاءني الشرطي وقال لي أرجع للسيارة وطلب أثباتي وفتشوني وفتشوا فهد وفيصل وفتشوا السيارة …. لكن أنا ما لقوا معي شئ وقبضوا علينا ….
ويبين من هذه الأقوال ، أن المتهم الثاني لم يغافل ضابط الواقعة ولاذ بالفرار ، وإنما قد تصرف تصرفاً تلقائياً يتفق والمجرى العادي للأمور ، إذ هم بالنزول بعد أن توقفت المركبة أمم منزله – وقبل وصول الدورية – للتوجه إلى بيته ، ولما حضرت الدورية وأمره ضابط الواقعة بالعودة إلى المركبة عاد من فوره .
وأيا ما كان وجه الرأي في هذه الاقوال ، فإن نزول المتهم من المركبة – في حضرة ضابط الواقعة بحسب إدعائه – لا ينبئ عن وقوع جريمة ولا تتوافر به حالة التلبس التي تبيح لرجل الشرطة القبض والتفيش بغير أذن مكتوب من النيابة العامة .
- الأمارة الثالثة : وجود المتهمين بحالة اشتباه غير طبيعية :
البادي من محضر إثبات الحالة والتحويل – المشار إليه أعلاه – ومما أورده ضابط الواقعة بأقواله بأن المتهمين كانوا بحالة غير طبيعية ، حددها ضابط الواقعة – على سبيل الحصر- حين سئل بالتحقيقات ( ص 19 ) :
س- وما هي حالة المتهمين تحديداً ؟
ج- هم كانوا في حالة غير طبيعية وظهرت عليهم علامات الإرتباك والخوف .
ويبين من ذلك أن ضابط الواقعة قد حدد الحالة غبير الطبيعية للمتهمين بأنهما ” ظهور علامات الخوف والإرتباك عليهم “
وإذا إفترضنا جدلاً صحة هذه الرواية – وهذا الفرض ننكره ولا نسلم به ولا نؤيده – فإن هذه الحالة – وفقا لما أرسته محكمة التمييز في العديد من أحكامها – لا توفر الدلائل التي تقطع بذاتها بارتكاب جريمة معينة ، وبالتالي فلا تقوم بها حالة التلبس التي تسوغ القبض على المتهم الثاني وتفتيشه بغير أذن من سلطة التحقيق .
- الأمارة الرابعة : إلقاء المتهم الثاني ورقة رشيد كانت بحيازته أمام الدورية :
أن الرواية التي وردت بمحضر إثبات الحالة والتحويل المشار إليه أعلاه ، لتصوير واقعة تخلص المتهم الثاني من ورقة رشيد كانت بحيازته امام الدوية تجافي منطق العقل وتتنافى وطبائع الأمور ، ولايمكن استساغتها عقلاً أو نقلاً .
إذ أنه بالنظر إلى ظروف الضبط نجدها تناهض هذه الرواية ، ذلك أنه من حيث الزمان ، فإن الواقعة قد حدثت بأشد ساعات الليل ظلمة والرؤية شبه منعدمة .
- ومن حيث المكان فإن واقعة الضبط تمت بأحد الشوارع الداخلية بمنطقة الشعب البحري ، والإضاءة بهذا المكان ضعيفة .
- ومن حيث وصف المركبة التي كان يستقلها المتهمون ، ومكان جلوس المتهم الثاني بتلك المركبة ، نجد أن المركبة – بحسب الثابت بمحضر إثبات الحالة والتحويل – هي جيب لكزس وهي مرتفعة عن الأرض بما يزيد على المترين ، والتي كان يجلس فيها المتهم على مقعدها الأمامي الأيمن .
إذ افترضنا جدلاً حيازة المتهم لورقة الرشيد آنفة الذكر – وهذا الفرض ننكره ولا نقر به – ووفقاً للظروف سالفة البيان ، فإنه كان بمكنة المتهم الثاني التخلص من الورقة – المزعومة – بكل يسر وسهولة عند نزوله من المركبة ، ولن يشاهدها ضابط الواقعة بسبب ارتفاع المركبة والذي يحول دون رؤية تخلص المتهم من الورقة ، فضلاً عن ظلمة الليل وعدم وجود الإضاءة الكافية بمكان الواقعة التي تساعده على رؤية الورقة الزعومة .
ومما يزيد من ظلال الشك حول رواية ضابط الواقعة ، ويجعلها بعيدة عن التصديق ، إلقاء المتهم الثاني الورقة أمام الدورية ، وكأنه يقول لرجلي الشرطة خذوني .
إن الرواية التي ساقها ضابط الواقعة آنفة البيان تتنافى وطبائع الأمور ولا يمكن لمنطق عاقل قبولها ، وإن دلت على شئ فإنما تدل على أن ضابط الواقعة قد حاول خلق حالة تلبس لا تصادف واقعاً لمحاولة اضفاء الشرعية على ما قام به من إجراءات باطلة ، الأمر الذي تنتفي معه حالة التلبس وتبطل الإجراءات التي قام بها ضابط الواقعة من استيقاف وقبض وتفتيش المتهم الثاني وما تلاها من اجراءات ، لأن ما بني على باطل فهو باطل ، ومن ثم عدم التعويل على أي دليل يكون مستمداً من هذه الإجراءات أو من شهادة من قام بهذه الإجراءات .
ثالثاً : تناقض أقوال ضابط الواقعة مع ما أثبته بمحضر اثبات الحالة والتحويل :
البادي من مطالعة عيون الأوراق نجدها تنبئ بأن اقوال ضابط الواقعة قد اصابها التناقض واعتراها الإضطراب حيث ناقضت تلك الأقوال بعض الوقائع التي أثبتها بمحضر إثبات الحالة والتحويل المؤرخ 00 /00 /2013 وآية ذلك ما يلي :
- التناقض بشأن كيفية ومكان العثور على الحبات الثلاثة المشتبه فيها :
بإمعان النظر بأوراق الدعوى نجدها قد حملت بين أحشائها روايتين متناقضتين بشأن كيفية ومكان العثور على الحبات الثلاثة المشتبه فيها على النحو الآتي :
الرواية الأولى : وردت بمحضر اثبات الحالة والتحويل :
البادي من مطالعة المحضر آنف الذكر ، نجد أن محرره قد اثبت وبحصر اللفظ “…. وعليه تم التحفظ على قائد المركبة ومن معه وكذلك المدعو فهد وأثناء نزولهم من المركبة قمت بمشاهدة عدد (3) حبات يشتبه بأنهما مؤثرات عقلية مدون عليها Roche وكذلك تم العثور على سلاح أبيض داخل المركبة ….”
ومؤدي ذلك أن العثور على الحبات الثلاث المبينة أعلاه قد تم داخل المركبة حيث وجدت مع السلاح الأبيض .
الرواية الثانية : وردت بأقوال ضابط الواقعة بالتحقيقات :
بمطالعة أقوال ضابط الواقعة نجده يوري رواية مغايرة لما أثبته بالمحضر آنف الذكر ، حيث أورى بالتحقيقات ( ص 17 ، 18 ) حيث سئل :
س – ما معلوماتك بشأن الواقعة محل التحقيق ؟
ج- حال تجوالي الأمني ……كما عثرت بجيب بنطال المتهم فهد …. بالجيب الأيمن على ثلاث حبات يشتبه فيها وعثرت داخل المركبة على سلاح أبيض يشتبه فيه ….
س – وما الذي حدث عقب ذلك ؟
ج- ….. كما نزل المتهم فهد …….. وبتفتيشه عثرت بجيب بنطاله الأيمن على ثلاث حبات مشتبه فيها .
ويبين من هذه الأقوال أنها قد ناقضت ما ورد بمحضر إثبات الحالة والتحويل آنف الذكر ، إذ بينما ورد بالمحضر المذكور أن مكان العثور على الحبات الثلاثة المشتبه بها هو داخل المركبة ، دون تحديد الحائز لها ، بينما نجد أن ضابط الواقعة يناقض ما أثبته بالمحضر ، مقرراً بأنه عثر على الحبوب المشتبه بها بجيب بنطال المتهم الثالث الأيمن بعد القيام بتفتيشه .
وحيث أنه من المستقر أن الحقيقة لا تتغير بتعدد رواياتها الأمر الذي يكون معه تناقض ضابط الواقعة ما أثبته بمحضر اثبات الحالة والتحويل ، إن دل على شئ فإنما يدل على اختلاق الواقعة برمتها ، ولا يمكن معه لوجدان الهيئة الموقرة الإطمئنان إلى صدق ضابط الواقعة أو إلى صحة ما نسب إلى المتهم الثاني .
- التناقض بشأن كيفية تفتيش المتهم الأول والقائم بذلك التفتيش :
بإمعان النظر بأوراق الدعوى نجدها قد حملت بين أحشائها روايتين لكيفية تفتيش المتهم الأول والقائم به ، وقد ناقضت الروايتين بعضهما البعض على النحو الآتي :
الرواية الأولى : وردت بمحضر اثبات الحالة والتحويل :
بمطالعة المحضر آنف الذكر نجد أن محرره قد أثبت وبحصر اللفظ ” … وعليه تم تفتيش قائد المركبة حيث توجه إلى آمر الدورية وفتح يده من جيبه أتضح بأنه يحمل عدد ثلاثة أظرف …”
ويبين من ذلك ، أن قائد المركبة ( المتهم الأول ) قد توجه إلى آمر الدورية العريف / ………. – بحسب الثابت من المحضر سالف الذكر – وقد قام آمر الدورية بفتح يد المتهم الأول ( قائد المركبة ) وتم العثور على الأظرف الثلاثة المزعومة .
الرواية الثانية : وردت باقوال ضابط الواقعة بالتحقيقات :
- وبمطالعة أقوال ضابط الواقعة بالتحقيقات نجده يوي رواية مغايرة للرواية المذكورة أعلاه ، حيث سئل ( ص 17 ، 18 ) :
س- ما معلوماتك بشأن الواقعة محل التحقيق ؟
ج – ….. كما تلاحظ لي قام قائد المركبة بوضع يده داخل جيب دشداشته الأيمن وبتفتيش ذلك الشخص عثرت بجيب دشداشته الأيمن على ثلاثة أظرف صغيرة …
س- وما الذي حدث عقب ذلك ؟
ج …. وقد نزل قائد المركبة …… من السيارة ووضع يده في جيب دشداشته الأيمن حيث عثرت داخل جيب الدشداشه الأيمن على ثلاثة أظرف ….
ويبين من تلك الأقوال أن ضابط الواقعة يقرر بأنه من قام بتفتيش المتهم الأول وهو من عثر على الأظرف الثلاثة المشتبه بها ، وليس آمر الدورية .
إن هذه التناقضات دليل ناصع وبرهان ساطع على أن ضابط الواقعة حاول تلفيق الإتهام بإحكام إلا أن نسجه جاء يعوزه رتق ، مما يجعل الدليل الذي ارتكنت إليه النيابة العامة في اسناد الإتهام إلى المتهم الماثل بمنأى عن داعي اطمئنان الهيئة الموقرة، ويثبت تداعي الدعوى الراهنة إجراءاً ودليلاً ، ويضحى طلب المتهم الثاني للبراءة جديراً بالقبول وبالقضاء بها .
- حجب ضابط الواقعة لمرافقه عن الإدلاء بأقواله :
بمطالعة اقوال ضابط الواقعة نجده يوري حين سئل بالتحقيقات ( ص 19) :
س – وهل شاهد عريف / ………… واقعة الضبط ؟
ج- هو كان في سيارة الدورية وأنا قمت بالضبط بمفردي .
ويبين من هذه الأقوال أن ضابط الواقعة يحاول حجب مرافقة عن الشهادة ، لينفرد وحده بسرد ما يوافق هواه ، حتى لا يناقضه أحد ، فإذا كان ضابط الواقعة يرافقه بالدورية العريف / ……. – وهو آمر الدوية – فهل يعقل ألا يشاهد أو يتابع آمر الدورية واقعة القبض والتفيش كي يتدخل حين الحاجة لمساعدة زميله الأمر الذي يكون معه حجب ضابط الواقعة آمر الدورية عن المشاهدة إن دل على شئ ، فإنما يدل على خشيته من افتضاح أمر تناقض ادعاءاته ، فضلاً عما أثبت بمحضر اثبات الحالة والتحويل من دور آمر الدورية في تفتيش المتهم الأول .
بناء عليه
نلتمس من الهيئة الموقرة القضاء برفض إستئناف النيابة العامة موضوعاً وبتأييد الحكم المستأنف فيما قضى به من براءة المستأنف ضده الماثل (المتهم الثاني).
وكيــل المستأنف ضده الثانى
الخاتمة
ولما كانت المحكمة حصن العدالة؛ وإذ تيقنتْ أن شروط “التلبس” بالجريمة لم تكن متوفرة، وأن الضابط تجاوز سلطاته بتفتيش المتهم دون إذن نيابة أو جرم مشهود، مما جعل الدليل المستمد من التفتيش ساقطاً ولا قيمة له ، مما جعلها تقضي برفض استئناف النيابة العامة وبتأييد حكم أول درجة .
” نحن في ساحات الجنايات، لا ندافع عن الجريمة، بل ندفع بالحق ونكشف الحقيقة “
